ابن سبعين
183
أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها
وقال إمام الحرمين في كتابه « الإرشاد » : ما صار إليه أهل الحق انخراق العادات للأولياء . ثم قال : وإن الكرامة والمعجزة ليس بينهما فرق إلا وقوع المعجزة على حسب دعوى النبوة والكرامة دون ادّعاء النبوة . وقال الإمام فخر الدين الرازي في كتابه « المحصّل » : ثم تتميز الكرامة من المعجزة بتحدّي النبوة . وقال الإمام ناصر الدين البيضاوي في كتابه « المصباح » : الكرامات جائزة خلافا للمعتزلة والأستاذ ، وتتميز عن المعجزة بعدم التحدي . وقال الإمام عبد اللّه بن أسعد اليافعي في كتابه « نشر المحاسن » : ظهور الكرامات للأولياء جائز عقلا ، وواقع نقلا ، أمّا جوازه في العقل فلأنه ليس مستحيل في قدرة اللّه تعالى بل هو من قبيل الممكنات كظهور معجزات الأنبياء ، هذا مذهب أهل السنّة من المشايخ العارفين ، والنّطقاء الأصوليين ، والفقهاء ، والمحدثين ، وتصانيفهم ناطقة بذلك شرقا وغربا عجما وعربا ، وأمّا وقوع ذلك بالنقل فقد جاء في القرآن والأخبار والآثار بالإسناد ما يخرج عن الحصر والتعداد ، فمن ذلك في القرآن ما أخبر اللّه تعالى عن مريم عليها السلام بقوله تعالى : كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ [ آل عمران : 37 ] ، وكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف ، وفاكهة الصيف في الشتاء ، هكذا جاء في التفسير ، وكذلك ما أخبر اللّه تعالى من إلهام أم موسى عليه السّلام في أمره ما هو معروف ، وكذلك ما أخبر اللّه تعالى من العجائب عن الخضر مع موسى عليهما السلام ، وكذلك قصة أصحاب الكهف والأعاجيب التي ظهرت عليهم من كلام الكلب معهم وغير ذلك ، وكذلك قصة آصف بن برخيا مع سليمان عليه السّلام في عرش بلقيس في قوله تعالى : قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ [ النمل : 40 ] . ومن ذلك في الأخبار حديث جريح الرّاهب الذي كلّمه الطفل في المهد ، وهو حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم . وحديث الغار الذي انطبقت عليهم الصخرة ، ثم انفرجت عنهم ، وهو أيضا حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم .